الكتاب المقدس

المدخل إلى الكتاب المقدس

الطبعة الكاثوليكية: العهد القديم لزماننا الحاضر

بسم الله الرحمن الرحيم

 

ماذا تجد في هذا الكتاب؟
يمكنك، أيها القارئ الكريم، أن تكون على اتصال شخصی عمیق بكلمة الله من دون أن تضطر حالا إلى قراءة الكتاب المقدس بكامله، لا بل الأفضل أن تكتفي اليوم بالاطلاع على ما يبدو الأهم لفائدتك الروحية.
ومع ذلك، فمن المفيد أن تتعرف إلى كل من الأسفار التي تؤلف الكتاب المقدس وأن تكون على علم بالخطوط العريضة التي تمتاز بها مراحل نشأته وتطوره. وهذا ما حملنا على وضع النصوص الكتابية في إطارها ، فأدرجناها في داخل التصميم الخاص بكل واحد منها.
وقد أضفنا، لمزيد من التوضيح، مقدمات و تمهیدات قصيرة أو طويلة، وأحَلنا، إلى حواشي تجدها في أسفل الصفحات، شرح بعد الألفاظ والتعابير الاصطلاحية.
وبما أن الكتاب المقدس يحتوي على رسالة لا تزال اليوم موجهة إلى كل منَّا، فقد حاولنا أن نستخلصها في خاتمة كل من الأسفار أو من مجموعة أسفار، وسمَيناها «قراءة لبني جيلنا».
قد تستغرب ألا تجد أسفار العهد القديم في الترتيب التقليدي الذي تعوَّدته في طبعات الكتاب المقدس. ذلك بأننا فضلنا، حيث أمكن الأمر، أن نتبع الترتيب الزمني، لأنه يساعدنا على الشعور بتقدم الوحي الإلهي، وهو أمر على جانب كبير من الأهمية.
الكتاب المقدس
تحديده
هو كلمة الله المدونة خطيًا. وبما أنها بُلِّغت إلى أناس من زمن معيَّن، فلقد اتَّخذت، لتكون مفهومة، شكلًا متأثرًا بذلك الزمن. لكن الله غير محصور في زمان ومكان، فلا بد أن يكون في رسالته عنصر لا يزال حاليا. فكلمة الله تعنيني أنا أيضا، فمن واجبي أن أكتشف، بعون الروح القدس، كيف أنا مَعنِّي بها.
مظهره
يظهر لنا الكتاب المقدس بمظهر نحو ستين مجموعة مختلفة، وضعها كتاب مختلفون في أزمنة مختلفة. لكن هذه المؤلفات جميعها هي كتاب واحد له عنوان واحد: الكتاب المقدس. فمن أين له هذه الوحدة.
وحدته
يستمد الكتاب المقدس وحدته من شخص المسيح. تسمى الأسفار التي كتبت قبله «العهد القديم» والأسفار التي حُرِّرت بعده «العهد الجديد». ولكن هذه تكلمنا عليه، في حين أن تلك تمهد لمجيئه وتعليمه.
والكتاب المقدس يستمد وحدته أيضا من الله، فقد جعل فيه خاتمه. وهو، من سفر التكوين الى سفر الرؤيا، يعرّف نفسه: هذا هو الوحي، اذ ان الله يكشف عن نفسه، وهو، من خلْق العالم إلى نشأة الكنيسة، ينجز عملا ويحقق قصده: هذا هو تاريخ الخلاص.
الوحي الإلهي
نلاحظ، من خلال جميع هذه الأسفار، إن الله يتكلم. كان موسى أعظم وسطاء الله على هذا الصعيد. لكن هناك أشخاص آخرين: ابراهيم والأنبياء والحكماء في العهد القديم، والرسل في العهد الجديد، بغض النظر عن يسوع الذي هو كلمة الله.
الله يتكلم إذا، ولكنه يتكلم شيئا فشيئا وتدريجيا، يقول للإنسان ما في امكان الإنسان أن يسمعه في ذلك الحين. ليس موسی مسيحيًا ولا إرميا، ولقد قال يسوع للرسل، مع أنه علمهم مدة سنتين وأكثر: «لا يزال عندي أشياء كثيرة أقولها لكم، ولكنكم لا تطيقون الآن حملها».
وما يقوله الله لا ينسى أبدا. فلقد استشهد پسوع بما أوحي إلى أشعيا أو حزقیال، فضلا عن أنه جعل الوحي «يخطو» خطوة كبيرة. فصرَّح مثلا بأن الله ثالوث، وبأن الله يسكن في نفوس الذين يحبونه، وبأن المحبة هي أعظم وصايا الشريعة الجديدة. وأسس أخيرًا كنيسة ورثت الجماعة اليهودية، كنيسة واصل فيها الروح القدس سیر الوحي بوجه غير منظور.
وكيف يتكلم الله؟ لا يهمس في الأذن ولا يملي إملاء، أن يصبح الانسان مجرد أمين سر، بل يتكلم بواسطة نور ينير العقل، على قدر ما يحتوي عليه، عبر ما يمتاز به الانسان من صيغ فكرية ومن مزاج. فالانسان يحفظ كل شخصيته، في حين أن الوحي يضيف إلى ما كان عنده، ويوجه تفكيره ويجعل هذا التفكير يصب، بوجه بطيء أو فجائي، في معرفة دينية جديدة.
تاریخ الخلاص
يكشف لنا الكتاب المقدس عن التدبير الإلهي، وهذا التدبير يحقق في تاريخ.
وهو اولا تاريخ شعب صغير، لو لم يكن «الشعب المختار»، لكان قليل الشأن. تنقل أجداده من بلاد ما بين النهرين إلى أرض كنعان وإلى أرض مصر، ثم تكون شعبًا في سيناء واستولى على الأرض المقدسة، أي على فلسطين. وفي الوقت نفسه، أنشأ المؤسسات (القضاة والملوك والكهنة)، ومارس سياسة شاقة بين جارَيه الجبارين، مصر وبابل. فبدا، في الساعات الحالكة، أنه سائر إلى الزوال. لكنه ما لبث أن عاد إلى الحياة. وقبل أن يشطب اسمه من لائحة الامم بنحو مئة سنة، أي في أيام السيطرة الرومانية، ولد يسوع الناصري. لم يطل عمله، لا بل كان غير مفيد في الظاهر، فختم يسوع التاريخ حياته معلقا على خشبة، لكن الكنيسة المسيحية سرعان ما ظهرت، منتمية إليه ومواصلة حتى أيامنا الرسالة التي عهد بها إليها.
جميع تلك الأحداث يمكن إدراكها على مستوى العلم التاريخي، فغير المؤمن يدركها كما يدركها المسيحي. لكن هناك نية إلهية تتغلغل في تلك الأحداث، وهي نية لا تكتشف إلا على مستوى الايمان … فإن هذا التاريخ هو تاريخ ديني.
وهكذا دُعي ابراهيم، الجد الاكبر، إلى الإيمان بإله واحده. وليس موسی سوی وسيط بين الله واسرائيل. ولم يُكتب للشعب المختار أن يحقق المطامع السياسية، بل أن يحفظ وينشر الايمان بالاله الحق. وحين ينظر مفكرو اسرائيل الى الماضي فيرون المصائب التي أرهقت الشعب، يصرحون بأن كل ذلك حدث لأن الشعب المختار لم يكن أمينا لله ولدعوته.
فما هو ذلك التدبير الالهي الذي يحقق عبر مثل هذا التاريخ؟ أن الله يطلب من الانسان ان يحبه، لأن سعادة الكائن البشري لا تكون إلا في هذه المحبة. لكن الله يتبع طريقة المراحل. ف«شعب الله» سيبقى قرونًا قبل أن يفهم ما هو الله وما ينتظره من اسرائيل. وحين تبلغ هذه التنشئة مبلغا كافيا، میرسل ابنه، وسيكون يسوع إنسانًا بين أناس آخرين. لكن، ما وراء يسوع التاريخ، ينتصب مسيح الإيمان: بعد ان مات يسوع على الصليب، قام وترايي لرسله. ومع ذلك، لم ينته هنا التدبير الإلهي. لم يكن الشعب اليهودي إلا جزءً من البشرية ، والله يريد أن يكون محبوبا من جميع الناس. ولذلك وسّع يسوع رسالته على العالم كله، وعهد إلى الكنيسة بتبليغ هذه الرسالة. وينتهي الكتاب المقدس بمطلع تاريخ هذه الكنيسة التي تواصل عمل المسيح.
يمكننا، بعد اليوم، أن نفهم التدبير الالهي، وبالتالي رسالة الكتاب المقدس. أراد الله أن يكون ابنه الآتي إلى الأرض مثال البشر، لا بل رئيسهم أيضا. ولكي يمهد لمجيئه، أقام شعبًا مختارًا. ولما أنجز المسيح رسالته، أراد أن تكون هناك كنيسةً لتساعد البشرية كلها على الوصول الى الايمان بخالقها وفاديها ومحبته. وهكذا يتم خلاص البشرية.
حضور الانسان في الكتاب المقدس
في جميع هذه الأسفار، لا يزال الإنسان حاضرا. وقبل كل شيء، فإلى أناس يتكلم الله. والنبي، رجل الكلمة، هو إنسان شبيه بي. فقد عرف أشعيا شقاء الانسان الذي يشعر بأنه بعيد عن مثاله الأعلى، واختبر هوشع عذاب القلب، واختير إرميا أهوال العزلة وعدم التفهم. وحين أقلب صفحات كتابي المقدس، أحد شعراء غنائيين وأصحاب مزامير يرفعون الى الله صلاة الشعب كله، وأجد حکماء قد اختبروا المشاكل البشرية الكبرى، أو تمردوا أمام محنة لم يفهموا معناها.
الله كلم أناسًا
كان أولئك الناس مكلفين بتبليغ رسالة الى أناس آخرين، إلى معاصريهم: رسالة تنفذ الى قلب الإنسان، لأن موضوعها صلته بإلهه وبكيفية توجيه حياته. فهل يقطع الإنسان عهدًا مع الله، كما عرض الله عليه؟ هذه هي رسالة موسی. وهل يوفّق الانسان بين نشاطه وايمانه؟ هذه هي رسالة الأنبياء. صرح عاموس بأن الله يريد «قلب الانسان». وقال ارميا أن الهيكل ليس صنما، وأن العبادة الحقيقية هي عبادة باطنية. وأكدوا جميعا أن الله لا يقبل أن يكون له شريك، لان محبته للإنسان محبّة كاملة. أما يسوع، كلمة الآب، فقد أتى ليقول لنا إن العالم، إن لم يمر به، لا يستطيع أن يعرف الحق وينال الحياة. وطلب  هو أيضا إلى الذين اختارهم – أي الرسل- أن يبلغوا رسالته إلى جميع الناس: «اذهبوا فعلموا جميع الأمم…» 
تكلم الله الى أناس ليعرف نفسه الى البشرية كلها
وأراد الله أيضا ألّا تمحي كلمته من ذاكرة الناس: فدون الوحي خطبًا. والانسان يترك علامته هو أيضا. لا شك أن الله يساعده ، وأن «الإلهام» يمكّننا من القول بأن الله هو صاحب الكتاب المقدس حقا، لكن الانسان لا يفقد قدرته الاكتشافية والتأويلية . فهناك فرق مثلا بين الصفحات التي تُكلمنا على موسي والصفحات التي تكلمنا على ارميا. فهذا يفضي إلينا بأسراره الخاصة، وذالك لا نعرف ما عمله إلا عن طريق التقليد اليهودي. وهناك أيضا فرق في شأن القديس بولس بين ما يقوله لنا نفسه في رسائله وما يرويه لنا القديس لوقا في أعمال الرسل.
الله يترك للانسان شخصيته كاملة
وهذه الكلمة، التي في إمكاني أن أقرأها في كتابي المقدس في أواخر القرن العشرين، لم تمت. فهي حية وأبدية، على مثال الله. ولذلك، فإن رسالته تدرکتي اليوم وتناديني وندعوني إلى الحوار. أحتاج إلى معرفة الله لكي أحبه، أحتاج إلى معرفة مشيئته لكي أعمل بها، والى معرفة تدبيره الخلاصي لكي أسهم فيه. ولا شك أن الكتاب المقدس سيقول لي كل ذلك. وان أردت أن أكون واعيًا لمشاكلي ومشاكل العالم الذي يحيط بي، وإن أردت أن أجابه مشكلة الشر التي تحدق بي، أو أن أعلم إلى أين يسير المجتمع البشري، فلا حل لي إلا في كتابي المقدس.

يُتبع

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق