ألوهية المسيحالكتاب المقدس

اضطرابات في قصة لعن المسيح للتينة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على سيد الأنبياء والمرسلين وعلى أخيه المسيح – آخر الأنبياء موتا – عيسى عليه الصلاة، وبعد:

حادثة لعن المسيح للتينة حادثة عجيبة وفيها دلالة واضحة على عدم صحة الكتاب المقدس، إذ أنَّها مروية بطريقتين متناقضتين!

فحسب رواية الإنجيل المنسوب إلى القديس مرقص نجد أن المسيح عليه الصلاة والسلام دخل أورشليم والهيكل ولم يفعل شيئًا لأن الوقت قد تأخر فنزل إلى بيت عَنيا مع تلاميذه.

وفي اليوم الثاني خرجوا من بيت عَنيا، وجد شجرة تين من بعيد فذهب إليها مسرعا لأن الإله كان جائعًا! فلم يجد فيها شيئًا للأسف، فغضب غضبًا شديدة فلعنها للأبد!

ثم بعد ذلك ذهب إلى الهيكل وطهره من أعمال الشيطان وعند عودته مع تلاميذه إلى المدينة وجدوا أن الشجرة قد يبست من الأصول.

إليك تفاصيل القصة من الإنجيل المنسوب للقديس مرقص الإصحاح 11:

11 فَدَخَلَ يَسُوعُ أُورُشَلِيمَ وَالْهَيْكَلَ، وَلَمَّا نَظَرَ حَوْلَهُ إِلَى كُلِّ شَيْءٍ إِذْ كَانَ الْوَقْتُ قَدْ أَمْسَى، خَرَجَ إِلَى بَيْتِ عَنيا مَعَ الاثْنَيْ عَشَرَ.

12 وَفِي الْغَدِ لَمَّا خَرَجُوا مِنْ بَيْتِ عَنيا جَاعَ،

13 فَنَظَرَ شَجَرَةَ تِينٍ مِنْ بَعِيدٍ عَلَيْهَا وَرَقٌ، وَجَاءَ لَعَلَّهُ يَجِدُ فِيهَا شَيْئًا. فَلَمَّا جَاءَ إِلَيْهَا لَمْ يَجِدْ شَيْئًا إِلاَّ وَرَقًا، لأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ وَقْتَ التِّينِ.

14 فَأَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهَا: لاَ يَأْكُلْ أَحَدٌ مِنْكِ ثَمَرًا بَعْدُ إِلَى الأَبَدِ!. وَكَانَ تَلاَمِيذُهُ يَسْمَعُون.

15 وَجَاءُوا إِلَى أُورُشَلِيمَ. وَلَمَّا دَخَلَ يَسُوعُ الْهَيْكَلَ ابْتَدَأَ يُخْرِجُ الَّذِينَ كَانُوا يَبِيعُونَ وَيَشْتَرُونَ فِي الْهَيْكَلِ، وَقَلَّبَ مَوَائِدَ الصَّيَارِفَةِ وَكَرَاسِيَّ بَاعَةِ الْحَمَامِ.

16 وَلَمْ يَدَعْ أَحَدًا يَجْتَازُ الْهَيْكَلَ بِمَتَاعٍ.

-وأعطاهم بعض الدروس الأعلاقية-

19 وَلَمَّا صَارَ الْمَسَاءُ، خَرَجَ إِلَى خَارِجِ الْمَدِينَةِ.

20 وَفِي الصَّبَاحِ إِذْ كَانُوا مُجْتَازِينَ رَأَوْا التِّينَةَ قَدْ يَبِسَتْ مِنَ الأُصُولِ،

أما القديس متى فيروي لنا نفس القصة ولكن بترتيب مختلف، فحسب الإنجيل المنسوب إليه نجد أن المسيح عليه الصلاة والسلام عندما دخل أورشليم أول ما بدأ به هو تطهير الهيكل من أعمال الشيطان.

ثم تركهم وبات في بيت عَنيا، وفي الصباح أراد الرجوع إلى المدينة وفي الطريق جاع فرآى شجرة تين من بعيد، فتقدم مسرعًا إليها ولكن لم يجد فيها إلا الورق، فلعنها!

 

والآن لنقرأ القصة حسب رواية الإنجيل المنسوب لمتى الإصحاح 21:

10 وَلَمَّا دَخَلَ أُورُشَلِيمَ ارْتَجَّتِ الْمَدِينَةُ كُلُّهَا قَائِلَةً: مَنْ هذَا؟

11 فَقَالَتِ الْجُمُوعُ: هذَا يَسُوعُ النَّبِيُّ الَّذِي مِنْ نَاصِرَةِ الْجَلِيلِ.

12 وَدَخَلَ يَسُوعُ إِلَى هَيْكَلِ اللهِ وَأَخْرَجَ جَمِيعَ الَّذِينَ كَانُوا يَبِيعُونَ وَيَشْتَرُونَ فِي الْهَيْكَلِ، وَقَلَبَ مَوَائِدَ الصَّيَارِفَةِ وَكَرَاسِيَّ بَاعَةِ الْحَمَامِ

13 وَقَالَ لَهُمْ: مَكْتُوبٌ: بَيْتِي بَيْتَ الصَّلاَةِ يُدْعَى. وَأَنْتُمْ جَعَلْتُمُوهُ مَغَارَةَ لُصُوصٍ!

17 ثُمَّ تَرَكَهُمْ وَخَرَجَ خَارِجَ الْمَدِينَةِ إِلَى بَيْتِ عَنيا وَبَاتَ هُنَاكَ.

18 وَفِي الصُّبْحِ إِذْ كَانَ رَاجِعًا إِلَى الْمَدِينَةِ جَاعَ،

19 فَنَظَرَ شَجَرَةَ تِينٍ عَلَى الطَّرِيقِ، وَجَاءَ إِلَيْهَا فَلَمْ يَجِدْ فِيهَا شَيْئًا إِلاَّ وَرَقًا فَقَطْ. فَقَالَ لَهَا: لاَ يَكُنْ مِنْكِ ثَمَرٌ بَعْدُ إِلَى الأَبَدِ!. فَيَبِسَتِ التِّينَةُ فِي الْحَالِ.

20 فَلَمَّا رَأَى التَّلاَمِيذُ ذلِكَ تَعَجَّبُوا قَائِلِينَ: كَيْفَ يَبِسَتِ التِّينَةُ فِي الْحَالِ؟

21 فَأَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُمْ: اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنْ كَانَ لَكُمْ إِيمَانٌ وَلاَ تَشُكُّونَ، فَلاَ تَفْعَلُونَ أَمْرَ التِّينَةِ فَقَطْ، بَلْ إِنْ قُلْتُمْ أَيْضًا لِهذَا الْجَبَلِ: انْتَقِلْ وَانْطَرِحْ فِي الْبَحْرِ فَيَكُونُ.

22 وَكُلُّ مَا تَطْلُبُونَهُ فِي الصَّلاَةِ مُؤْمِنِينَ تَنَالُونَهُ.

 

إنجيل مرقص: دخول أورشليم، المبيت في بيت عنيا، لعن التينة، تطهير الهيكل، رؤية التينة يابسة من الأصول عند العودة إلى المدينة.

إنجيل متى: دخول أورشليم، تطهير الهيكل، المبيت في بيت عنيا، لعن التينة عند العودة إلى المدينة ويبوسها في الحال.

إضافة إلى هذا الاختلاف العجيب في ترتيب القصة، لنا مع القصة وقفات

أولًا: لماذا يلعنها المسيح؟ الخطأ عليها أم عليه؟!

هي محكومة بالسنن الكونية ولها وقت محدد لتخرج التين، هكذا خلقها الله عز وجل ولا طاقة لها على تغيير هذه السنة ولا تبديلها، فلماذا يلعنها إن كان هو المخطئ؟ إذ ظن أن بها تين!

ثانيًا: أليس من الأولى أن يجعلها تثمر فيسد جوعه؟!

ثالثًا: إن كان هو الإله بحق، فكيف لا يعرف ما خلق؟!

يقول سبحانه في محكم التنزيل: أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الملك: 14]

رابعًا: عندما لعن المسيح شجرة التين تعجب التلاميذ من صنيعه! ألا يوحي هذا بعدم اعتقادهم بألهيته؟! لأنهم لو كانوا يعتقدون أنه الله المتجسد لما استغربوا من صنيعه، أليس كذلك؟ وإن تعجب فعجب رد المسيح عليهم إذ قال: إن كان لهم إيمان تفعلون مثله بل أعظم منه! وهو في ذلك يثبتهم على الإيمان بعد أن حذّرهم الشك!

إليك تفاصيل حوار المسيح مع تلاميذه، وقد اتفق الإنجيلان على تفاصيل الحوار، والحمد لله!

ونحن سنذكر رواية الإنجيل المنسوب لمرقص الإصحاح 11:

21 فَتَذَكَّرَ بُطْرُسُ وَقَالَ لَهُ: يَا سَيِّدِي، انْظُرْ! اَلتِّينَةُ الَّتِي لَعَنْتَهَا قَدْ يَبِسَتْ!

22 فَأَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُمْ : لِيَكُنْ لَكُمْ إِيمَانٌ بالله.

23 لأَنِّي الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مَنْ قَالَ لِهذَا الْجَبَلِ: انْتَقِلْ وَانْطَرِحْ فِي الْبَحْرِ! وَلاَ يَشُكُّ فِي قَلْبِهِ، بَلْ يُؤْمِنُ أَنَّ مَا يَقُولُهُ يَكُونُ، فَمَهْمَا قَالَ يَكُونُ لَهُ.

24 لِذلِكَ أَقُولُ لَكُمْ: كُلُّ مَا تَطْلُبُونَهُ حِينَمَا تُصَلُّونَ، فَآمِنُوا أَنْ تَنَالُوهُ، فَيَكُونَ لَكُمْ.

25 وَمَتَى وَقَفْتُمْ تُصَلُّونَ، فَاغْفِرُوا إِنْ كَانَ لَكُمْ عَلَى أَحَدٍ شَيْءٌ، لِكَيْ يَغْفِرَ لَكُمْ أَيْضًا أَبُوكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ زَلاَتِكُمْ.

26 وَإِنْ لَمْ تَغْفِرُوا أَنْتُمْ لاَ يَغْفِرْ أَبُوكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ أَيْضًا زَلاَتِكُمْ.

إذًا: إن كان لعن التينة دليل على الوهية المسيح بهذه المعجزة كما يعتقد النصارى، فهل يستطيع التلاميذ أن يفعلوا معجزة أعظم من معجزة الإله وهي تحريك الجبل؟!

لقد أدرك علماء المسيحية هذه الاضطرابات في القصة، فحاولوا الخروج منها بعدة تفسيرات:

أولا: قالوا أن المسيح عليه الصلاة والسلام دخل أورشليم والهيكل مرتين.

والجواب أن يقال: نعم، دخل المسيح عليه الصلاة والسلام مرتين، مرة قبل لعن التينة ومرة ثانية بعد لعنها دخل مطهرا الهيكل كما يقول القديس مرقص.

بينما حسب رواية القديس متى فإنه في المرة الأولى التي دخل فيها الهيكل قام بتطهيره ثم بعد ذلك لعن التينة.

ثم إن هذا التفسير الذي ذكروه لا يسعفهم، لأننا نتكلم عن وقائع حدثت، فعندنا حادثة تطهير الهيكل وحادثة لعن التينة وكل من الحادثتين حصلت مرة واحدة فقط، فلا يمكننا القبول إلى بإحدى الروايتين، فما هي الرواية الصحيحة؟ لا نملك الأصل الحاكم! إذا هناك رواية صحيحة وهناك رواية باطلة والباطلة ليست من عند الله والإنجيلين حسب اعتقاد النصارى من مند الله!

ثانيًا: قالوا إن متى ومرقص لم يقصدا ذكر القصة بالترتيب.

وللإجابة نقول: في القصة أحداث وقت بأزمة محددة فعندنا صباح ومساء، فماذا فعل قبل المبيت في بيت عنيا: هل طهر الهيكل أم لعن التينة؟ وهل وجدوا التينة يبست بعد تطهير الهيكل أو أنها يبست في الحال؟

وفيما يتعلق بيبوس شجرة التين، قالوا: إن شجرة التين يبست من الخارج كما قال متى، بينما في اليوم التالي يبست من الأصول كما قال مرقص.

وللإجابة على هذا التفسير نقول: تفسيركم هذا مُشكل مع القصة لأن هذا التفسير يستقيم نظريا مع رواية القديس مرقص لأنه جعل لعن التينة قبل تطهير الهيكل، وبعد مرور الوقت بتطهير الهيكل وجدوها قد بلست من الأصول.

ولكن هذا التفسير لا يتماشى مع رواية القديس متى لأن جعل لعن التينة بعد تطهير الهيكل، فقبل تطهير الهيكل ليس هناك لعن فكيف تيبس خارجيا فقط!

ومما يدل على فساد هذا التأويل أن التلاميذ حسب الإنجيلين يتعجبون مباشرة بعد يبوس شجرة التين مما يعني أنها يبوس واحد وليس يبوس خارجي وآخر داخلي من الأصول!

إذا فقول أنها يبست من الأصول هو نفسه معنى قول يبست في الحال، لأن التلاميذ حسب رواية القديس مرقص اكتفوا بالسماع عند لعن التينة، بينما حسب تفسير النصارى بحسب رواية متى تلاميذ المسيح تعجبوا من يبوسها خارجيا في الحال!

فهل تعجبوا عندما يبست من الخارج، أم عندما يبست من الأصول؟ أم أنهم تعجبوا مرتين؟

ولا يمكن أن يتعجبوا مرتين لأن مرقص يقول أنهم اكتفوا بالسماع وتعجبوا بعد يبوسها من الأصول، وبالتحليل العقلي نقول: لا معنى لتعجبهم مرة ثانية لحدث واحد، وهذا الحدث يحصل من إله!

إذا: فتفسيركم يا نصارى أضاف تناقضًا آخر للقصة.

قال الله سبحانه وتعالى: أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا [النساء: 82]

ويقول المسيح كما في الإنجيل المنسوب للوقا الإصحاح 8:

32 وَتَعْرِفُونَ الْحَقَّ، وَالْحَقُّ يُحَرِّرُكُمْ.

 

اضغط للاشتراك في تطبيقنا على الفيس بوك لتصلك أجدد مواضييعنا برسالة خاصة

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق