السنة المطهَّرةالعقيدة الإسلاميةالفقه الإسلاميسنن نبويةنصائح ورقائق

شرح خطبة الحاجة للشيخ عبد الرحمن بن ناصر البراك

من شرح البراك للعقيدة التدمرية

شرح خطبة الحاجة

بسم الله الرحمن الرحيم

إنَّ الْحَمْدَ لِلهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلاَ مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِىَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى الله عَلَيهِ، وَعَلَى آلِهِ، وَصَحْبِهِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.

هذه خُطبة الحاجة افتتح الشيخ بها هذا الكتاب، كما هي عادته في أجوبته، وتارة يختصر، ويقول: (الحمد لله) فقط، وتارة يُنشِئُ خُطبة ويظهرُ فيها تحري السجع من غير تكلف، وهو قليل.

وهذه الخُطبة تُعرَف بخُطبة الحاجة، وهي خُطبة مأثورة ليست من إنشاء الشيخ؛ إذ كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلمها أصحابه، كما ذكر ذلك ابن مسعود رضي الله عنه.

ويذكر أهل العلم هذه الخُطبة في «باب الجمعة»، وفي «باب النكاح» تنبيهًا على شرعية هذه الخُطبة عند عقد النكاح([1])؛ لأن عقد النكاح ليس كغيره من العقود، فيَسْتَحِب العلماء قراءة هذه الخُطبة عند عقد النكاح، وهذه الخُطبة المأثورة رواها الإمام مسلم([2])، وأهل «السنن»([3]) وألفاظها متقاربة.

وهذه الخُطبة من جوامع الكلم الذي أوتيه صلى الله عليه وسلم؛ فمن خصائصه أنه، «أوتي جوامع الكلم»([4])، و«اختصر له الكلام اختصارًا»([5])؛ فيأتي بالعبارة القصيرة التي تحمل معاني كثيرة.

وخُطبة الحاجة من هذا؛ فإنها قصيرة؛ لكنها اشتملت على أصول الدين؛ فاشتملت على: «التوحيد» بأنواعه الثلاثة، و«إثبات القدر»، و«إثبات الرسالة»، وفيها: «تفويض الأمر إلى الله سبحانه وتعالى»، و«الالتجاء إليه»([6])، ويتضح هذا بما سيأتي إن شاء الله تعالى.

قوله: (الْحَمْدَ لِلهِ) من هدي النبي صلى الله عليه وسلم أنه إذا خطب؛ افتتح خطبته بـ«الحمد، والثناء على الله»([7])، والله سبحانه حَمِدَ نفسه وعلَّمنا أن نحمده وافتتح كلامه بالحمد فقال: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3) [الفاتحة].

وفي الحديث القدسي: «قال الله: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين..، فإذا قال العبد: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ قال الله تعالى: حمدني عبدي» الحديث([8]).

وقد اختلف أهل العلم من المفسرين، وشراح الحديث في «الحمد، والشكر»([9])؛ فمنهم من قال: «الحمد والشكر شيء واحد؛ وهو: تعظيم المنعم والثناء عليه: قولًا أو فعلًا».

وقال آخرون: «بل بينهما فرق، فالحمد؛ هو: الثناء باللسان على الجميل الاختياري، وأما الشكر؛ فهو: تعظيم المنعم على إنعامه بالقول، أو الفعل».

وبهذا تكون العَلاقة بين «الحمد، والشكر» العموم والخصوص الوجهي.

فإن العَلاقة بين الكلمات والمعاني؛ تارة تكون:

○ العموم والخصوص مطلقًا.

○ أو: من وجه.

○ وتارة تكون: المماثلة.

○ وتارة تكون: المباينة.

فالعًلاقة بين الإنسان والحجر: المباينة.

والعَلاقة بين الإنسان والبشر: المماثلة.

والعًلاقة بين الإنسان والحيوان: العموم والخصوص المطلق، فالحيوان أعم مطلقًا والإنسان أخص مطلقًا، فتقول: «كلُّ إنسانٍ حيوانٌ، وليس كلُّ حيوانٍ إنسانًا»، فبعض الحيوان إنسان.

ومثل هذا -أيضًا-: مثل العبادة والصلاة؛ فبينهما عموم وخصوص مطلق.

أما العموم والخصوص الوجهي؛ فضابطه: «أن المعْنَيينِ يجتمعان في حال، وينفرد كل منهما في حال»، ويُمثِّل أهل «المنطق» لهذا: بالأبيض والإنسان؛ فإنهما يجتمعان في الإنسان الأبيض، وينفرد كل واحد منهما، فالأبيض في الثلج، والأسود في الإنسان الأسود([10]).

وهكذا نقول في «الحمد والشكر» -على القول بالفرق وهو الصحيح-: فبينهما عموم وخصوص وجهي؛ فيجتمعان في الثناء على الله باللسان بما أَنْعَم، فتعظيمه تعالى باللسان ليما أنعم به على عباده: حمدٌ وشكرٌ.

وينفرد «الشكر» في التعظيم بالفعل، وينفرد «الحمد» في الثناء باللسان في غير مقابلِ نعمة، فالله تعالى هو المحمودُ على كلِّ حال، محمودٌ على السراء والضراء، فحمدُه على السراء: حمدٌ وشكرٌ، وحمدُه على الضراء: حمدٌ.

وعلى هذا يكون «الشكر» أعم من حيث الأداة، ف«الحمد» إنما يكون باللسان، و«الشكر» يكون بالقلب، واللسان، والجوارح، ويستشهد العلماء لهذا بقول الشاعر:

أفادتكُمُ النعماءُ مِنِّي ثلاثةً        يدِي ولسانِي والضَّميرَ المحَجَّبا([11])

وجاء في القرآن: اعْمَلُوا آَلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ (13) [سبأ].

و«الحمد» أعم من جهة سببه، فالمقتضي لـ«الحمد» أوسع من المقتضي لـ«الشكر»، فالمقتضي لـ«الشكر»؛ هو: النِّعم، والمقتضي لـ«الحمد»: صفاتُ الكمال مطلقًا، فالثناء على الشجاع بشجاعته والصبور بصبره؛ حمدٌ، وليس شكرًا، لكن الثناء على الشجاع بما قام به من النر للآخرين ومِن عونه لغيره: حمدٌ وشكرٌ.

و«أل» في «الحمد لله» لـ«الاستغراق».

و«أل» تأتي لمعانٍ كثيرة([12]): لـ«العهد الذهني»، و«الحضوري» وتأتي لـ«الجنس».

والتي تأتي لـ«الجنس»: تارة تأتي للدلالة على «الحقيقة»، وتارة تأتي لـ«الاستغراق»([13])، والمراد بها هنا: «الاستغراق»؛ فيكون معنى «الحمد لله» أي: « كلُّ الحمدِ لله تعالى».

والذي يستحق الحمد كله، والثناء كله، والتمجيد كله؛ هو: المتصف بجميع صفات الكمال.

إذًا؛ فإثبات الحمدِ كلِّه لله تعالى؛ يجل على أنه هو المتصف بجميع صفات الكمال، وليس هذا إلا لله تعالى وحده.

فالمخلوق قد يُحمد، ولكن يحمد على ما عنده من المحامد، وما عنده من المحامد ليس أصيلًا فيه؛ بل هو موهوب له، وفضل من الله سبحانه وتعالى، فهو الذي يُكرِم من يشاء بما شاء من المحامد والفضائل.

وأعظمُ الناس استحقاقًا للحمد؛ أكثرُهم محامدَ وفضائلَ، وهو نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وهذا يتصل بالكلام على اسمه «محمد» فاسمُه هذا صلى الله عليه وسلم عَلَمٌ، وصفة، فهو عَلَمٌ على شخصه صلى الله عليه وسلم، ويدل -أيضًا- على معنى عظيمٍ؛ وهو: اتصافه بالمحامد([14]).

أما المستحق للحمد كله على الإطلاق لذاته؛ فهو الله تعالى.

ويلاحظ بهذا: أن إثبات الحمد لله تعالى تضمن نوعًا من أنواع التوحيد، وهو توحيد «الأسماء والصفات»، فهو سبحانه الذي له جميع الأسماء الحسنى والصفات العلى، لا شريك له في ذلك، ولا شبيه، فهذا كله يتضمنه إثبات الحمد، فأسماؤه كلها حسنى، وصفاته كلها صفات كمال، وأفعاله كلها عدل، وحكمة، ورحمة.

قوله: (نَحْمَدُهُ) هذا فيه توكيد للحمد الأول، فله الحمد الثابه؛ لأن جملة الأسمية (الحمد لله) تفيد: الثبات، وله الحمد المتجدد؛ لأن الجملة الفعلية (نحمده) تفيد: التجدد([15]).

فهو تعالى المستحق للحمد كله على الإطلاق، وله منَّا أن نحمده حمدًا متجددًا في الحاضر، وفي المستقبل، كلٌّ بحسب ما وفقه الله تعالى، فهو سبحانه كما أثنى على نفسه، وفوق ما يثني به عليه عباده.

وقال أعلم الخلق به صلى الله عليه وسلم: «أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك»([16]).

والعباد لا يستطيعون أن يثنوا على الله تعالى كما يستحق لذاته؛ لأن العباد لا يعلمون كلَّ ما لله من الأسماء والصفات([17]) حتى الرَّسول، لا يعلم كنه صفاته سبحانه وتعالى، لذلك قال صلى الله عليه وسلم: «لا أحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك»، وقال صلى الله عليه وسلم في حديث الشفاعة: «فأقع ساجدًا لربي عز وجل، ثم يفتح الله عليَّ من محامده، وحسن الثناء عليه: شيئًا لم يفتحه على أحد قبلي»([18]).

وحمدُ العباج لربهم بحسب علمهم به تعالى، فمن كان أعلم بأسماء الله تعالى وصفاته؛ كان أقدر على حمده ممن ليس كذلك، ومن كان -أيضًا- أعلم بنعمه وأكثر استحضارًا لها؛ كان أقدر على حمده وشكره.

قوله: (وَنَسْتَعِينُهُ) «السين والتاء» في اللغة العربية يفيدان الطلب([19]) فقول العبد: «استعين الله» بمعنى: «اللهم أعني»، و«أستهديه» بمعنى: «اللهم اهدني»، و«نستغفرك» بمعنى: «اللهم اغفر لها»، فـ«السين والتاء» للطلب في الغالب ([20]).

فقوله: (نستعينه) فيه طلب العون من الله تعالى، وطلب العون من الله؛ يتضمن الاعتراف بتفرده تعالى بالملك، وبالعطاء والمنع، والاعتراف بالفقر إليه، قال الله سبحانه: إِيَّاكَ نَعبُدُ وَغِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5) [الفاتحة].

فعلى العبد: أن يعبد ربه، وعليه مع ذلك: أن يتوكل عليه، وأن يستعين به؛ فإنه لا حول ولا قوة إلا بالله تعالى.

وكذلك في حمدنا له: لا قدرة لنا ولا قوة على حمده؛ إلا بعون منه تعالى، ولهذا قَرَنَ ذِكرَ الحمدِ بِذِكرِ الاستعانةِ.

قوله: (وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُوْرِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا) هذا يتضمن اللجوء إلى الله تعالى، والاعتصام به سبحانه من شرَّين عظيمين: شر النفس، وسيئات الأعمال، ولا يقي العبد ويحفظه من المخاطر والشرور؛ إلا الله سبحانه وتعالى؛ فحقيق بكل مؤمن أن يلجأ إلى الله تعالى مما يُخاف ويُحذر.

قوله: (ونعوذ بالله من شرور أنفسها) المراد بالنفس هنا: النفس الأمارة بالسوء؛ فإن النفس لها ثلاث أحوال: نفس مطمئنة، ونفس أمارة بالسوء، ونفس لوامة([21]).

وشر النفس الأمارة بالسوء: دعوتها وأمرها بالسوء، كما قال تعالى: إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةُ بِالسُّوءِ إِلَا مَا رَحِمَ رَبِّي [يوسف: 53]، وما يترتب على ذلك ويتبعه.

قوله: (ومن سيئات أعمالنا) سيئاتُ الأعمال؛ قيل المراد بها: «الأعمال السيئة»؛ وهي: «المعاصي»، فإضافة السيئات إلى الأعمال على هذا ؛ من إضافة الصفة إلى الموصوف؛ أي: الأعمال السيئة.

وقيل: المراد بسيئات الأعمال: «العقوبات المترتبة على الأعمال»؛ لأنها تسوء من وقعت عليه، فإضافة السيئات إلى الأعمال على هذا ؛ من إضافة المسبَّب إلى السبب: فالأعمال التي هي المعاصي سبب للعقوبات.

فعلى الأول: التعوذ من السبب الذي هو الأعمال السيئة، وعلى الثاني: التعوذ من المسبَّب الذي هو العقوبات([22]).

فمن وقاه الله شر نفسه وسوء عمله؛ فقد أفلح ونجا، وهذان الشران هما مصدرُ كلِّ سوء وشرِّ يتضرر به العبد، كما قال تعالى: وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ [السورى: 30].

قال ابن القيم في هذا التعوذ:

وسَلِ العياذَ من اثنتين هما اللَّتَـ     ـانِ بِهُلْكِ هذا الخلق كافِلَتانِ

شرُّ النفوس وسيِّئُ الأعمالِ      ما والله أعظمُ مِنهما شَرَّان

ولقد أتى هذا التعوذُ مِنهما      في خُطْبَهِ المبعوثِ بالقرآنِ([23])

قوله: (مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ، وَمْنْ يَضْلُلُ فَلَا هَادِيَ لَهُ) في هذا اعتراف بتفرد الرب سبحانه وتعالى بالهداية والإضلال، فهو الذي يهدي من يشاء، ويضل من يشاء، فلا هادي لمن أضف، ولا مضل لمن هدى.

وهذا المعنى جاء صريحًا في القرآن، قال تعالى: أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (36) وَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّضِلٍّ [الزمر: 36، 37]، وقال سبحانه: مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ ۖ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُّرْشِدًا (17) [الكهف]، وقال تعالى: مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي ۖ وَمَن يُضْلِلْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (178) [الأعراف]، وقال سبحانه: مَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ ۚ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (186) [الأعراف].

فالرب تعالى هو المتفرد بالهدى والإضلال، وهو المتفرد بالعطاء والمنع كما في الحديث في الذكر بعد الصلاة([24])، وفي الذكر بعد الرفع من الركوع([25]): «لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعتـ ولا ينفع ذا الجَدِّ، منك الجَدُّ»، ففي هذا إقرار بتفرد الرب بالعطاء والمنع.

ومن أنواع هذا العطاء والمنع: الهدى والضلال، ومن أدلة هذا المعنى في القرآن قوله سبحانه وتعالى: مَّا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا ۖ وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ [فاطر: 2]، وقال تعالى: وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ ۖ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ ۚ يُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ۚ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (107) [يونس].

والهداية نوعان: «هداية خاصة»، و«هداية عامة»([26]):

أما «الخاصة»؛ فهي التي يعبر عنها بـ: «هداية التوفيق والإلهام».

و«الهداية العامة»؛ هي التي يعبر عنها بـ: «هداية الدلالة والإرشاد».

ومن شواهد «الهداية الخاصة»: قوله تعالى: أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ۖ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ [الأنعاك 90]، وقوله تعالى: وَالَّذِينَ اهْتَدَوا زَادَهُمْ هُدًى [محمد: 17]، وقوله تعالى: مَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ المُهْتَدِ [الكهف: 17]، وقوله تعالى: إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ [القصص: 56].

ومن شواهد «الهداية العامة»: قوله تعالى: وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (52) [الشورى]، وقوله تعالى: إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3) [الإنسان]، وقوله: وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى [فصلت: 17]، وقوله تعالى: شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ [البقرة: 185]، ونحوها من الآيات.

والفرق بين الهدايتين من وجهين:

الوجه الأول: أن «الهداية العامةَ»؛ عامةٌ للخلق، وأما «الهدايةُ الخاصة»؛ فهي خاصة بالمؤمنين.

الوجه الثاني: أم «الهداية العامةَ»؛ تكون من الرسل وأتباعهم، وأما «الهداية الخاصة»؛ فليست مقدورة لهم؛ بل هي خاصة لله عز وجل.

وفي ضوء ما تقدم تكون الهداية المذكورة في الخُطبة؛ من: «الهداية الخاصة» التي تُفَسَّر بـ: التوفيق، والإلهامِ.

والهى من الله سبحانه يكون بالتوفيق والإلهامِ، والإضلالُ يكون بمنع هذا التوفيق، فمن منعه الله التوفيق ولم يمنحه إيَّاه؛ لزم من ذلك أن يَضل، فالعبد بين التوفيق والخذلان، فمن وفقه الله؛ اهتدى، ون لم يوفقْه؛ ضلَّ، كما قال الله سبحانه في الحديث القدسي، الذي رواه الإمام مسلم في «صحيحه» عن أبي ذر: «يا عبادي كلكم ضالٌ إلا مَن هديتُه؛ فاستهدُوني أَهْدِكم»([27]).

وهذا الإقرار والاعتراف بتضمن توحيد الربوبية؛ فإن كونه تعالى رب كل شيء؛ يقتضي أنه المتفرد بالعطاء والمنع، والهدى والإضلال، وهذا هو تحقيق توحيد الربوبية.

قوله: (وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيْكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ) هاتان الشهادتان؛ هما أصل دين الإسلام كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله»([28]) الحديثَ، متفقه على صحته.

والشهادة؛ هي: العلم بالشيء، والإقرار به، فلا بُدَّ في الشهادة من العلم، كما قال تعالى: إِلا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (86) [الزخرف].

ولا بُدَّ من الإقرار، فقول العبد: (أشهد أن لا إله إلا الله)؛ أي: أُقِرُّ وأعترف ظاهرًا وباطنًا بأنه (لا إله إلا الله).

فتضمنت الشهادتان: الإقرار بالتوحيد الذي هو أصل دين الرسل، والإقرار برسالة محمد صلى الله عليه وسلم التي لا يتحقق إسلام العبد إلا بها مع التوحيد، كما قال صلى الله عليه وسلم: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله»([29]) الحديثَ.

وكلمةُ التوحيد مركبةٌ من نفي وإثبات، من نفي إلهيةِ كلِّ ما سوى الله تعالى، وإثبات الإلهية له سبحانه.

إذًً؛ فالتوحيد لا يتحقق إلا بنفي وإثبات، إلا بكفر وإيمان، كفرٍ بالطاغوت، وإيمانٍ بالله تعالى، قال سبحانه: فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (256) [البقرة].

وقوله: (وحده) حالٌ، وقوله (لا شريك له) حالٌ أيضًا، فالكلمتان حالان مؤكِدتان، فـ(وحده) تأكيدٌ لما تضمنته كلمة الشهادة من الإثباتـ و(لا شريك له) تأكيدٌ للنفي.

والمراد بـ(الإله) هنا: المستحق للعبادة، أو: المعبود بحق، فلا معبود بحق إلا الله.

وأصل معنى (الإله) في اللغة هو: «المعبود»([30])، فكلُّ معبوج سوى الله؛ فهو معبود بالباطل، والله وحده هو المستحق للعبادة، كما قال تعالى: ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (62) [الحج].

وشهادة أن لا إله إلا الله هي أصل دين الرسل من أولهم إلى آخرهم، وشهادة أن محمدًا رسول الله هي من أصل دين الإسلام الذي بعث الله تعالى به محمدًا صلى الله عليه وسلم، فالشهادتان هما أصل دين الإسلام الذي بعث الله به محمدًا صلى الله عليه وسلم، وهما متلازمتان من حيث الحكمُ لا تصح إحداهما إلا بالأخرى، ويعبر عن هاتين الشهادتين بالأصلين وهنا: «التوحيد»، و«الرسالة».

ولا بدَّ في شهادة أن محمدًا رسول الله من الإقرار بأنه صلى الله عليه وسلم عبد الله، وأنه رسول الله تعالى إلى الناس كافة، وأنه خاتم النبيين، كما في حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه في «الصحيحين» مرفوعًا: «من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، والجنة حق، والنار حق؛ أدخله الله الجنة على ما كان من العمل»([31])، وكما في التشهد: «أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله»([32])، وكما قال صلى الله عليه وسلم: «لا تُطروني كما أطْرَتِ النصارى ابنَ مريم؛ فإنما أنا عبد؛ فقولوا: عبدُ الله ورسولُه»([33]).

وهذه الشهادةُ للنبي صلى الله عليه وسلم بأنه عبدُ الله ورسولُه؛ هي: الصراطُ المستقيم بين طريق الغالين، وطريق الجافين في حقه صلى الله عليه وسلم؛ فإن الناس في حق الرسول صلى الله عليه وسلم طرفان ووسط:

فريق جَفَوا -وهم الأكثرون-؛ فكذبوه، أو قصَّروا في متابعته فيما جاء به، فهؤلاء فرَّطُوا في حقه صلى الله عليه وسلم.

وفريق من الناس غلو فيه؛ فرفعوه فوق منزلته التي أنزله الله فيها، ولا شك أنه صلى الله عليه وسلم سيد ولد آدم، وأنه خاتم النبيين، وأنه سيد المرسلين صلوات الله وسلامه عليه، لكن من الجاهلين من غلا حتى جعل له شيئًا من خصائص الإلهية، والربوبية؛ كالذي يقول:

يا أكرمَ الخلقِ ما لي مَن ألوذُ به     سِواكَ عندَ حلولِ الحادثِ العَمَمِ

وقال:

فإنَّ من جُوديكَ الدُّنيا وضَرَّتَها      ومِن علومِك علمَ اللوحِ والقلمِ

وقال:

إن لم يكنْ في معاديْ آخذًا بيدِي     فضلًا، وإلا فقل: يا زلةَ القَدمِ([34])

وأقوالُ أهل الغلو كثيرة فمَن نسب للرسول صلى الله عليه وسلم شيئًا من خصائص الربوبية؛ كتدبيره للعالَم أو القدرة على كلِّ شيء، أو نسب إليه مغفرة الذنوب والنجاة من النار؛ فقد غلا فيه.

فهو صلى الله عليه وسلم عبدٌ، ولا يزول عنه هذا الوصف؛ بل إن منزلة العبودية هي أساس الشرف للرسل والمؤمنين؛ ولهذا يذكر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بوصف العبودية في أعلى المقامات.

فقال سبحانه وتعالى في مقام «الإسراء»: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى [الإسراء: 1]، وقال في مقام «التحدي»: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا [البقرة: 32]، وقال تعالى في مقام «الدعاء»: وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللهِ يَدْعُوهُ [الجن: 19]، وقال سبحانه وتعالى في مقام «الإنذار»: تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (1) [الفرقان].

إذًا؛ فشهادةُ أن محمدًا عبده ورسوله؛ هي: الوط، وهي: الصراط المستقيم بين طريق الغالين، وطريق الجافين المكذبين والمفرطين في طاعته واتباعه وتحقيق متابعته صلى الله عليه وسلم.

فشهادة لأن محمدًا عبده ورسوله؛ تقتضي: تصديقه فيما أخبر، وطاعته فيما أمر، واجتناب ما عنه نهى وزجر، وألَّا يُعبد الله إلا بما شرع.

قوله: (صَلَّى الله عَلَيهِ، وَعَلَى آلِهِ، وَصَحْبِهِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا)

الصلاةُ على رسول الله صلى الله عليه وسلم هي من أفضل الأعمال، وقد أخبر الله تعالى أنه هو وملائكتُه يصلون على النبي صلى الله عليه وسلم، وأمر المؤمنين بذلك فقال: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (56) [الأحزاب].

وأحسن ما قيل في تفسير الصلاة من الله: «أن الصلاة من الله: ثناؤه على عبده في الملإ الأعلى»([35]).

والله تعالى يصلي على المؤمنين، و-أيضًا- الملائكة تصلي على المؤمنين، كما قال سبحانه وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (41) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (42) هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ۚ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (43) [الأحزاب].

وجاء في الحديث الصحيح أن العبد إذا «خرج إلى المسجد، لا يخرجه إلا الصلاة، لم يخطُ خطوة إلا رُقِعت له بها درجة، وحُطَّ عنه بها خطيئة، فإذا صلى لم تزل الملائكة تصلي عليه ما دام في مصلاه: اللهم صلِّ عليه، اللهم ارحمه، ولا يزال أحدكم في صلاة ما انتظر الصلاة»([36]).

ولكن لنبينا عليه الصلاة والسلام من صلاى الله تعالى، وصلاة ملائكته؛ ما يليق بمقامه، فله الحظُّ الأوفر، والنصيب الأكبر من صلاة اللهِ سبحانه وملائكتِه.

أما صلاةُ المؤمنين على النبي صلى الله عليه وسلم فمعناها: «الدعاء له بأن يصلي الله عليه»، ولا بد من هذا القيد، فليس كلُّ دعاء يقال: إنه صلاة، فإن الصحابة رضي الله عنهم علَّمهم النبي صلى الله عليه وسلم التشهد، ثم قالوا له: «عَلِمْنَا كيف نسلم عليك، فكيف نصلي عليك؟ فقال: قولوا: «اللهم صلِّ على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم؛ إنك حميد مجيد»» إلى آخر الحديث بألفاظه المختلفة([37]).

إذًا، فالصلاة من العباد تكون بسؤال الله تعالى أن يصلي عليه، فههي إذًا؛ دعاء ممخصوص، وإن كانت الصلاة في اللغة؛ هي: الدعاء([38]) في الجملة، لكن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم من المؤمنين تكون بسؤال الله أن يصلي عليه.

وبعد هذ كله، يلاحظ أن هذه الخطبة اشتملت على أصول الدين:

1- التوحيد بأنواعه الثلاثة: «توحيد الألهية» الذي دلت عليه «شهادة أن لا إله إلا الله»، و«توحيد الربوبية» الذي تضمنته جملة «من يهده الله؛ فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له» كما تضمنه الالتجاء، والتعوذ؛ فإن الاستعانة، والالتجاء، والتعوذ؛ كلُّ ذلك يتضمن «توحيد الربوبية»، و«توحيد الأسماء والصفات» يتضمن «الحمد»؛ فإثباتُ الحمدِ كلِّه لله تعالى؛ يتضمن أنه متصف بجميع المحامد.

2- كما تضمنت هذه الخطبة «إثبات الرسالة»، وذلك هو مضمون «شهادة أن محمدًا رسول الله».

3- وتضمنت هذه الخطبة -أيضًا- أصلًا من أصول الإيمان؛ وهو: «الإيمان بالقدر خير وشره»، وهذا مستفاد مما يتضمن «توحيسد الربوبية»؛ فقوله: «من يهده الله؛ فلا مضل له، ومن يضلل؛ فلا هادي له»، وكذلك «الاستعانة به»، و«الالتجاء إليه»، و«التعوذ»؛ كلُّ ذلك يتضمن: الإيمان بالقدر خيره وشره، وذلك أن «توحيد الربوبية»، يتضمن: إثبات القدر.

ولهذا كانت الآياتُ المتضمنةُ لأصول الإيمان؛ مشتملةً على خمسة من أصول الإيمان؛ وهي: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر؛ كقوله تعالى في سورة البقرة: لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ [177]، وقوله تعالى في سورة النساء: وَمَن يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (136).

ولم يذكر فيها الأصل السادس؛ وهو: الإيمان بالقدر خيره وشره؛ لأنه يتضمنه الأصل الأول؛ وهو: الإيمان بالله تعالى؛ فإن الإيمان بالله تعالى: ربًا وإلهًا، والإيمان بكمال ربوبيته وملكه؛ يتضمن: أن الله على كل شيء قدير، وأن ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، وأنه الخالق لكل شيء؛ وهذا هو تحقيق الإيمان بالقدر؛ فإن الإيمان بالقدر يتضمن المراتب الأربعة المعروفة، ومنها: «عموم المشيئة»، و«عموم الخلق».

إذًا؛ فإثبات القفدر يدخل في «توحيد الربوبية»، ولهذا نقول: إن هذه الخطبة اشتملت -أيضًا- على إثبات القدر الذي هو الأصل السادس من أصول الإيمان.

تنبيه: وهنا مسألة ذكرها شيخ الإسلام «ابن تيمية» رحمه الله، ونقلها عنه تلميذه العلامة «ابن القيم» رحمه الله؛ وهي: أنه يُلاحظ في جُمل هذه الخطبة أنها جاءت بصيغة الجمع: (نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا)، وفي الشهادتين جاءت بصيغة الإفراد: (وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله)، وهذه هي الصيغة الصحيحة، فلا تقل: «ونشهد» بصيغة الجمع.

فما السر في ذكر الجُمل الأولى بصيغة «الجمع»، وذكر الشهادتين بصيغة «الإفراد»؟

ذكر شيخ الإسلام أن لهذا وجهين:

الأول: أن الجُمل الأولى فيها دعاء وطلب من الله سبحانه وتعالى، وهذا مما تدخله النيابة، فالمسلم يدعو لنفسه ويدعو لإخوانه، وأما الشهادتان؛ وهي: التوحيد، والإقرار بالرسالة؛ فإنهما لا ينوب فيهما أحد عن أحد، فلا تدخلهما النيابة.

الوجه الثاني: أن الجمل الأولى هي إنشاء، أما الشهادتان؛ فهما إخبار من الإنسان عن نفسه بما يعتقد، ولا يمكن لأحد أن يخبر في هذا على الحقيقة إلا عن نفسه، وأما إذا قلنا: فلانٌ يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله؛ فهذا إخبار عمَّا أظهر، لا عمَّا يعتقد في نفسه.

فهذا من السر في الفرق بين جُمل هذه الخطبة([39])، والله أعلم.

 

المصدر: شرح العقيدة التدمرية: عبد الرحمن بن ناصر البراك، إعاد: عبد الرحمن بن صالح السديس، دار التدمرية، الطبعة الأولى 1432 هـ – 2011 م، صـ 27- 47.

______________

1 «الحاوي الكبير» 9/ 164، و«المغني» 9/ 465.

2 (868) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، مختصرة.

3 رواه أبو داود (2118)، والترمذي (1105) -قال: الحسن-، والنسائي 3/ 104، وابن ماجة (1892)، وصححه الحاكم 2/ 182، والنووي في «الأذكار» ص 404، والذهبي في «المذهب في اختصار السنن» 3/ 1142، وقال ابن رجب في «فتح الباري» 8/ 265: «صححه جماعة منهم/ ابن خراش، وغيره» من حديث ابن مسعود رضي الله عنه.

4 رواه البخاري (7013)، ومسلم (523) من حديث ابن هريرة رضي الله عنه.

5 رواه أبو يعلى -كما في «مجمع الزوائد» 1/ 436، وقال: «فيه عبد الرحمن بن إسحاق الواسطي ضعفه أحمد وجماعة»-، والضياء في «المختارة» 1/ 215 من حديث عمر رضي الله عنه، وانظر: «كشف الخفاء» 1/ 14.

6 «مجموع الفتاوى» 14/ 222، 18/ 285.

7 «زاد الماد» 1/ 425.

8 رواه مسلم (395) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

9 «تفسير الطبري» 1/137، و«غريب الحديث» للخطابي 1/346، و«الفائق في غريب الحديث» 1/314، و«المفهم لما أشكل من تلخيص مسلم» 1/ 85، و«مجموع الفتاوى» 11/ 133-155، و«عدة الصابرين» ص 293، و«مدارج السالكين» 2/ 236، و«تفسير ابن كثير» 1/ 128.

10 « شرح الكوكب المنير» 1/ 70، و«آداب البحث والمناظرة» ص 38.

11 البيت المذكور في المصادر التي في الحاشية قبل السابقة عدا «تفسير الطبري»، ولم يُسم قائله.

12 «الجنى الداني في حروف المعاني» ص194، و«مغني اللبيب عن كتب الأعاريب» ص61.

13 التي لـ«الاستغراق» هي التي تصح أن تخلفها «كل»، والتي لـ«الحقيقة» لا يصح أن تخلفها «كل»؛ كقوله تعالى: جَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ [الأنبياء: 30]، المرجع السابق.

14 «جلاء الأفهام» ص183، وانظر: ص288.

15 «الإيضاح في علوم البلاغة» ص99.

16 رواه مسلم (486) من حديث عائشة رضي الله عنها.

17 «درء تعارض العقل والنقل» 3/ 332.

18 رواه البخاري (4712) -واللفظ له-، ومسلم (194) من حديث أبي هريرة رضي اللله عنه

19 «شرح كافية ابن الحاجب« 1/ 110، و«شذا العرف» ص42.

20 وتأتي لمعانٍ أخرى؛ كـ«التحول»، مثل: «استحجر الطين»، و«اعتقد صفة شيء»، مثل: « استحسنت كذا»؛ أي: اعتقدت حسنه. المصدران السابقان.

21 «مجموع الفتاوى» 15/ 143، و«الرُّوح» ص330، و«إغاثة اللهفان» 1/ 91.

22 «مجموع الفتاوى» 14/ 28 و18/ 289، و«إغاثة اللهفان» 1/ 90، و«الداء والدواء» ص268، و«بدائع الفوائد» 2/ 716، و«طريق الهجرتين» 1/ 200.

23 «الكافية الشافية» رقم (4596-4598).

24 رواه البخاري (844)، ومسلم (593) من حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه.

25 رواه مسلم (477) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.

26 «مجموع افتاوى» 18/171، و«بدائع الفوائد» 2/447، وذكرَ الإمامانِ قسمين آخرين:

1- الهداية في مصالح الدنيا، وهي مشتركة بين الإنسان والحيوان، قال تعالى: الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى [طه: 50].

2- والهداية في الآخرة، قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (9) [يونس].

27 (2577)

28 البخاري (8) -واللفظ ل-، ومسلم (16) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.

29 رواه البخاري (5)، ومسلم (22) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.

30 «الصحاح» 6/ 2223، و«القاموس المحيط» ص 1603.

31 رواه البخاري (3435) -واللفظ له-، ومسلم (28).

32 رواه البخاري (831)، ومسلم (402) من حديث ابن مسعود رضي الله عنه.

33 رواه البخاري (3445) من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

34 الأنبيات للبوصيري من قصيدة «البردة»، «شرح البردة للبوصيري» 2/ 756 و774 و780.

35 رواه البخاري بنحوه عن أبي العالية تعليقًا مجزومًا به قبل حديث (4797)، ووصله إسماعيل بن إسحاق في «فضل الصلاة على النبي» ص80، وانظر: «جلاء الأفهام» ص162.

36 رواه البخاري (647) -واللفظ له-، ومسلم (649) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

37 رواه البخاري (6357) -واللفظ له-، ومسلم (406) من حديث كعب بن عجرة رضي الله عنه.

38 «الصحاح» 6/ 2402.

39 «تهذيب سنن أبي داود» 3/ 54، والكلام هنا منقول بالمعنى.

 

 

 

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

رأيان على “شرح خطبة الحاجة للشيخ عبد الرحمن بن ناصر البراك”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق