الفقه وأصولهنصائح ورقائقوقائع تاريخية

نعم، الصحابة اختلفوا، ولكن …

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فإن الإختلاف وارد لا محالة، والإجتماع وعدم الفُرقة مطلوب مندوب إليه في الشريعة، والجمع بينهما يكون في تحديد نوع الإختلاف الحاصل.

فالإختلاف يكون عقيدة كاختلاف عقيدة الإسلام عن عقيدة النصارى، وقد يكون فقهياً فرعيا كاختلاف المذهب الحنفي مع المذهب المالكي في بعض المسائل، فالعقول متفاوتة والآراء متباينة والنصوص تحتمل والوقائع تختلف والقاعدة أنَّ الحكم على الشيئ فرع عن تصوره.

الإختلاف مذموم وبعضه معفوٌ عنه وأهله ناجون لأنه وكما تعلمون هناك مساحة شرعية في ديننا الحنيف تعطي للعقل الإنساني حريته في الإبداع.

يقول الإمام بن تيمية رحمه الله[1]: وَالنِّزَاعُ فِي الْأَحْكَامِ قَدْ يَكُونُ رَحْمَةً إذَا لَمْ يُفْضِ إلَى شَرٍّ عَظِيمٍ مِنْ خَفَاءِ الْحُكْمِ.

فلا حرج في الإختلاف ويكون السبيل في تقليله الأسلوب الأفضل والمناسب وخاصة إذا كان صاحبه لا يقصد إفساد الدين وإزاغة القلوب عن الحق، والصحابة رضوان الله عليهم اختلفوا في بعض المسائل الفرعية التي أُذِنَ لهم الإجتهاد فيها ولم يختلفوا في أصول الدين التي يقوم عليها الإسلام وهم مع اختلافهم في المسائل لم يُنشئوا الأحزاب والفرق والجماعات.

وفي ذلك يقول الإمام الشاطبي[2]: وَوَجَدْنَا أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ بَعْدِهِ قَدِ اخْتَلَفُوا فِي أَحْكَامِ الدِّينِ وَلَمْ يَتَفَرَّقُوا، وَلَا صَارُوا شِيَعًا لِأَنَّهُمْ لَمْ يُفَارِقُوا الدِّينَ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِيمَا أُذِنَ لَهُمْ مِنِ اجْتِهَادِ الرَّأْيِ، وَالِاسْتِنْبَاطِ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فِيمَا لَمْ يَجِدُوا فِيهِ نَصًّا، وَاخْتَلَفَتْ فِي ذَلِكَ أَقْوَالُهُمْ فَصَارُوا مَحْمُودِينَ لِأَنَّهُمُ اجْتَهَدُوا فِيمَا أُمِرُوا بِهِ.

وكما قررنا سابقاً فمع وجود الإختلاف الطبيعي بين البشر وضرورته، إلا أنَّ الشريعة رغَّبت عنه وحذَّرت منه وزمَّت أهله، قال تعالى: وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ [هود : 118] وقال تعالى: وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَـئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [آل عمران : 105]

وأوصت بالإجتماع، ومن ذلك ما جاء في غضب النبي صلى الله عليه وسلم حينا كان يقع من آحاد الصحابة في شيئ من الإختلاف المذموم فينبه لذلك ويغيره وينهاهم عن ذلك

فقد جاء عن عبد الله بن عمرو[3]: هجَّرتُ إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يومًا، قال فسمع أصواتَ رجلَين اختلفا في آيةٍ، فخرج علينا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ. يُعرَفُ في وجهه الغضبُ، فقال: إنما هلك مَن كان قبلَكم باختلافِهم في الكتابِ “.

يقول شبخ الإسلام بن تيمية[4]: فعلل غضبه صلى الله عليه و سلم بأن الاختلاف في الكتاب هو كان سبب هلاك من قبلنا وذلك يوجب مجانبة طريقهم في هذا عينا وفي غيره نوعا.

ومن كمال رحمة الله أن أوضح المسلك الصحيح السليم في سبيل تحقيق هذا الغاية فقال: وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [آل عمران : 103]

وفي شرح هذه الآية يقول الإمام القرطبي[5]: فَأَوْجَبَ تَعَالَى عَلَيْنَا التَّمَسُّكَ بِكِتَابِهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ وَالرُّجُوعَ إِلَيْهِمَا عِنْدَ الِاخْتِلَافِ، وَأَمَرَنَا بِالِاجْتِمَاعِ عَلَى الِاعْتِصَامِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ اعْتِقَادًا وَعَمَلًا، وَذَلِكَ سَبَبُ اتِّفَاقِ الْكَلِمَةِ وَانْتِظَامِ الشَّتَاتِ الَّذِي يَتِمُّ بِهِ مَصَالِحُ الدُّنْيَا وَالدِّينِ، وَالسَّلَامَةُ مِنَ الِاخْتِلَافِ، وَأَمَرَ بِالِاجْتِمَاعِ وَنَهَى عَنِ الِافْتِرَاقِ الَّذِي حَصَلَ لِأَهْلِ الْكِتَابَيْنِ.

ويسبق الإمام الشافعي رحمه الله الإمام القرطبي في بيان ذلك فيقول أن المقصود بالإجتماع ليس اجتماع الأبدان أي اجتماع الناس في صعيد واحد بل المقصود الإجتماع في الإعتقاد والفكر، فيقول في توضيح ذلك[6]: إذا كانت جماعتهم متفرقة في البلدان فلا يقدر أحد أن يلزم جماعة أبدان قوم متفرقين وقد وجدت الأبدان تكون مجتمعة من المسلمين والكافرين ولأن اجتماع الأبدان لا يصنع شيئا فلم يكن للزوم جماعتهم معنى إلا ما عليهم جماعتهم من التحليل والتحريم والطاعة فيهما.

وحقيقة كلامه وفقهه رضي الله عنه مستوحى من قوله تعالى في ذكر حال الكفار في الآخرى: يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاء أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ [الحديد : 14]

ويقول النبي صلى الله عليه وسلم[7]: إنَّ اللهَ يرضَى لكم ثلاثا (…) فيرضَى لكُم أن تعبدوهُ ولا تشركوا به شيئا، وأن تعتصِموا بحبلِ اللهِ جميعا ولا تفرّقوا .

وحتى مع نشوء الفتنة[8] التي حصلت بين الصحابة رضي الله عنهم إنما كانت مبنية على اجتهاد أخطأ فيه معاوية ودخل من خلاله المنافقين فأشعلوا نار الحرب، ومع ذلك لم يكن ذلك سبباً للتناحر والتحزب والتفرقة بل دامت المحبة مع ذلك بينهم بل دامت المصاهرة بينهم والذكر بالجميل لآحادهم فيما بينهم دائمٌ لم يعكّره شيئ.

فالإجتماع وتوحيد الصف والكلمة والإختلاف في الإجتهادات الفقهية أو الإجتهادات في فقه الواقع لا يمتنع تواجدهما في بيئة واحدة ومجتمع واحد متماسك تحت ظل الإسلام ,أما الإجتماع بين الحق والباطل فهذا سبيله في ميدان المناظرة والمجدالة أو ميدان الحرب والمبارزة أو الإجتماع في بيئة إسلامية تحكم بكتاب الله وسنة رسول الله لضبط الحقوق والواجبات ومساحة كلا الفريقين في الحرية الفكرية والعقدية.

 

——————–

1 مجموع الفتاوى: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني (المتوفى: 728هـ) المحقق: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم , مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبوية، المملكة العربية السعودية , عام النشر: 1416هـ/1995م جـ 14 صـ 159
2 الاعتصام: إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الغرناطي الشهير بالشاطبي (المتوفى: 790هـ)
تحقيق: سليم بن عيد الهلالي , دار ابن عفان، السعودية , الطبعة: الأولى، 1412هـ – 1992م
عدد الأجزاء: 2 , جـ 2 صـ 734
3 عبد لله بن عمرو رضي الله عنه: صحيح مسلم (2666)
4 اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728هـ) المحقق: ناصر عبد الكريم العقل , دار عالم الكتب، بيروت، لبنان , الطبعة: السابعة، 1419هـ – 1999م , عدد الأجزاء: جـ 1 صـ 146
5 الجامع لأحكام القرآن: أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري الخزرجي شمس الدين القرطبي (المتوفى: 671هـ) تحقيق: أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش , دار الكتب المصرية – القاهرة , الطبعة: الثانية، 1384هـ – 1964 م , عدد الأجزاء: 20 جزءا (في 10 مجلدات) جـ 4 صـ 164
6 الرسالة: الشافعي أبو عبد الله محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن عبد المطلب بن عبد مناف المطلبي القرشي المكي (المتوفى: 204هـ) المحقق: أحمد شاكر, مكتبه الحلبي، مصر
الطبعة: الأولى، 1358هـ/1940م صـ 475
7 أبو هريرة رضي الله عنه: صحيح مسلم (1715)
8 لتوضيح أسباب تلك الفتنة راجع كتاب الفتنة بين الصحابة للشيخ محمد حسان

الوسوم

مقالات ذات صلة

رأيان على “نعم، الصحابة اختلفوا، ولكن …”

  1. لفتة لطيفة (وهم مع اختلافهم في المسائل لم يُنشئوا الأحزاب والفرق والجماعات.)جزاكم الله خيرا وفتح الله لكم أفاق العلم والمعرفة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق