مباحث العقائد

لماذا خلق الله الشر؟ بقلم د. سلطان العميري

بسم الله الرحمن الرحيم

تقوم حقيقة هذا الاعتراض على أن خلق الله للناس لا يمكن أن يكون كمالا؛ لأنه إن خلقهم لحاجة إليهم: إما أنه محتاج لعبادتهم، أو محتاج لمساعدتهم، أو غير ذلك من أنواع الاحتياجات، فهو ناقص، وإن كان خلقهم لغير حاجة فهو عبث، والعبث نقص، فالإله في خلقه للإنسان لا ينفصل عن النقص أبدا.

وإن قيل: إنه خلقهم لحكمة لا يعلمها إلا هو، فهذا يدل على أن الأديان قائمة على أمور لا تُفهم، وهذا يدل على مناقضتها للعقل والمنطق كما يقولون.

وهذا الاعتراض ليس جديدا على الفكر الإسلامي، وليس هو من اختراع الناقدين المعاصرين للأديان، فقد طُرح في الفكر الإسلامي قبل أكثر من سبعة قرون، فنقل الرازي عن بعض المعترضين على الأديان أنه قال: إن التكليف إما أن يكون لغير غرض، فهذا عبث ونقص، وإما أن يكون لغرض، وهو لا يخلو إن أن يكون الغرض راجعا إلى الله، فهو نقص؛ لأن الخالق منزه عن الأغراض، وإما أن يكون راجعا إلى المخلوق، فإن كان للمخلوق، فإنه إما أن يكون لأجل الإضرار به، فهو نقص في حق الله، وإما أن يكون لأجل نفع المخلوق، فهو منافٍ للحكمة والعدل؛ لأنه كيف يقال للإنسان: إما أن تجلب النفع لنفسك، أو تعذب العذاب الأليم ؟!

وهذا الاعتراض لا يختلف عما عداه من الاعتراضات السابقة، فهو مبني على مغالطات عقلية واستنتاجات خاطئة، واختزالات متكلفة لا دليل عليها، وبيان ما فيه من بطلان وفساد يتبين بالأمور التالية:

الأمر الأول: أن ذلك الاعتراض قائم على مغالطة عقلية ظاهرة، وهي المقابلة بين الاحتياج والعبث، فالمعترض يظن أن العبث لا يقابله إلا وجود الحاجة، فإذا انتفى الاحتياج في فعل ما فهو عبث، وإذا وجد الاحتياج انتفى العبث.

وهذا تصور خاطئ، واختزال في النظر إلى طبيعة الوجود، فالعبث لا يقابل بالاحتياج عند عموم العقلاء، وإنما يقابل بالحكمة، وهي معنى مختلف كل الاختلاف عن الاحتياج، فالشخص قد يفعل الفعل لا لأنه محتاج إليه، و إنما لأنه له فيه حكمة ومقصدا نبيلا، فالطبيب الغني صاحب الجاه والمنزلة الرفيعة يقوم بمعالجة الناس الفقراء والدهماء، لا لأنه محتاج إليهم، ولا لأنه يريد منهم شيئا، وإنما لأنه يريد أن يقدم للفقراء النفع والخير، فقد انتفى الاحتياج في حقه، ومع ذلك ففعله ليس عبثا، بل هو محمود عند كل العقلاء.

وكذلك الشخص الماهر في السباحة، ينقذ طفلا مات غرقا في البحر في غفلة عن أهله، ويضعه على الشاطئ حتى يجده أهله، فهو بفعل ذلك الفعل لا لأنه محتاج إليه، أو أنه سيستفيد منه فائدة مادية أو معنوية، وإنما لأن في ذلك الفعل نفعا لآخرين لم يعلموا بحاله، فقد انتفى الاحتياج في حقه، ومع ذلك ففعله ليس عبثا، بل هو محمود عند كل العقلاء.

وهذه الشواهد كلها تدل بالدلالة الضرورية على أنه لا تلازم بين الاحتياج إلى الفعل وبين انتفاء العبث كما يتصور ذلك المعترض.
والله تعالى خلق الخلق، وأمرهم بعبادته، ليس لأنه محتاج إلى الناس، وإنما لأن له حكما أخرى تجعل خلقه لهم محمودا وأمره إياهم بالعبادة كمالا.

ومع أن الضرورة العقلية تدل على أن الله غير محتاج إلى خلقه، لأنه الغني بنفسه، والخالق لكل شيء، وكل شيء بيده، وتحت قهره، وفي ملكه، وخاضع لجبروته، فقد تكرر في النصوص الشرعية كثيرا التنبيه على أن الله ليس محتاجا إلى عبادة الناس، كما قال تعالى : {مَّا يَفْعَلُ اللّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ وَكَانَ اللّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا}[النساء:147]، وقال تعالى على لسان موسى عليه السلام: وَقَالَ مُوسَى إِن تَكْفُرُواْ أَنتُمْ وَمَن فِي الأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيد}[إبراهيم:8]، وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيد ** إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيد ** وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيز}[فاطر:15-17]، وقال في الحديث القدسي:” يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري، فتضروني، ولن تبلغوا نفعي، فتنفعوني، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم، ما زاد ذلك في ملكي شيئا، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، كانوا على أفجر قلب رجل واحد، ما نقص ذلك من ملكي شيئا”.

وهذه النصوص كلها جارية على مقتضى العقل والمنطق، فإن الله تعالى هو الذي خلق الناس، وأوجدهم من العدم، فهم محتاجون إلى الله في أصل وجودهم، وفي تكميل حياتهم، فكيف يكون الله محتاجا إلى الناس ومنتفعا بأفعالهم؟! فإذا كان الناس لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا إلا بإذن الله، فكيف يكون الله محتاجا إلى عبادتهم؟!

الأمر الثاني: إذا ثبت أن العبث لا يقابل الاحتياج، وإنما يقابله الحكمة، فإن العقل الضروري يدل على أن الله لم يخلق الكون بجميع مكوناته إلا لحكمة ولم يكن الخلق لمجرد العبث، فالكون وما فيه من إتقان وإحكام ودقة وصرامة يؤكد أن الله اعتنى به، وأنه موضوع لحكمة وغاية محددة، والإنسان من أشد مكونات الكون إتقانا وإحكاما، فظهور الحكمة في خلقه أجلى وأبين، وهذه المعاني أشار إليها القرآن مرارا، كما في قوله تعالى: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّار}[ص:27]، وقوله تعالى: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِين ** لَوْ أَرَدْنَا أَن نَّتَّخِذَ لَهْوًا لاَّتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّا إِن كُنَّا فَاعِلِين}[الأنبياء:17] وقوله تعالى: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُون}[المؤمنون:115].

الأمر الثالث : إذا ثبت أن الله لم يخلق الخلق/ الناس إلا لحكمة، فإنه لا يلزم أن نعلم كل التفاصيل بالمتعلقة بحكمة الله من خلق الخلق/ الناس، وإنما يمكن أن نعلم بعضها فقط.

وعدم علمنا بكل التفاصيل المتعلقة بالحكمة من خلق البشر، لا يقتضي بنفسه نسبة النقص إلى الله، ولا يستلزم أي محكم مخالف للعقل، كما يريد أن يصور المعترض؛ لأن عدم العلم ليس علما بالعدم، فعدم العلم بحكمة الشيء، لا يعني أن الشيء لا حكمة له، أو لا فاعل له، فإن المريض الجاهل إذا لم يعلم بالحكم التي يعمل الطبيب من أجلها على مقتضاها، لا يعني نسبة النقص والعبث إلى ذلك الطبيب، ولا يعني أن فعله فاقد للاتساق مع العقل.

إن مثل الملحد في اعتراضه القائم على عدم العلم بالحكمة مثل رجل دخل قصرا كبيرا، فاستطاع أن يفهم كثيرا من أسراره، ولكنه وجد أن بعض مكوناته لم يعلم لها وظيفة ولا حكمة، فأخذ يقول: إن القصر لا خالق له، ولا حكمة من روائه!! ومثل رجل اشترى سيارة جميلة، فقال لأصحابه: اشتريت سيارة فارهة، فوجدت فيها بعض الأدوات لم أعرف لها فائدة ولا حكمة، فعلمت أن السيارة لا صانع لها!!

وهذا يثبت أن الاعتراض بأن عدم علمنا بالحكمة من خلق الله للبشر اعتراض خاطئ، مبني على مغالطة منطقية حاصلها: أن عدم العلم بحكمة الشيء دليل على عدمه أو عبثيته.

لا جرم أن الجواب الصحيح على سؤال الحكمة من خلق البشر لا يشترط فيه العلم بكل الحكم الإلهية من ذلك، وإنما يكفي فيه العلم ببعضها فقط، ولكن بعض المعترضين يصر على أن جواب سؤال الحكمة لا يكون صحيحا إلا بمعرفة كل الحِكم، وهذا تصور خاطئ مخالف للعقل والواقع، فإن الإنسان لا يمكنه أن يعرف كل كمالات الله تعالى – كما سبق بيانه – وإنما غاية ما يمكنه أن يتعرف على بعضها فقط، والمطالبة بمعرفة كل الحكم الإلهية خارجة عن العقل، وعن قدرة الإنسان، وطبيعته الناقصة القاصرة.

الأمر الرابع: إذا ثبت أن خلق الله للناس وأمره إياهم بالعبادة ليس لأجل الاحتياج والافتقار إليهم وإنما من أجل حِكَم عديدة، وثبت أن البشر لا يمكنهم أن يتعرفوا على جميع كمالات الله وحكمه، وأن غاية ما يمكنهم التعرف عليه بعض تلك الكمالات والحكم، فإننا يمكن أن نتلمس بعض تلك الحِكم ونستطيع الوقوف عليها، وسنقتصر هنا على نوعين منها:

النوع الأول: تحقيق الكرامة الإنسانية، فالله تعالى كرم النوع الإنساني وأعلى منزلته وجعله مختلفا عن سائر أنواع الحيوان في حياته، فخصه بالعقل والتفكر وحرية الإرادة والاختيار والقصد والبحث عن الغايات والأسباب، فأمره الله بالعبادة الاختيارية، حتى يكتمل ذلك المخلوق المشرف في أخلاقه وأفعاله وسلوكه، ويرتقي في المنزلة عند الله، ويكون أقرب المخلوقات إلى الله وأحبها إليه.

فلولا تكليف الله للإنسان بالعبادة، وأمره إياه بالطاعة؛ لكان جنس الإنسان لا يختلف عن جنس المخلوقات، بل إن سائر المخلوقات ستكون أفضل منه؛ لكونها مجبولة على الخضوع لله، ولا تملك إرادة ولا اختيارا يؤهلها للخروج مما جبلت عليه.

ولأجل ارتقاء جنس الإنسان في العبودية لله تعالى، وارتقائه في أخلاقه وسلوكه، كان مآله ومصيره أرقى من مآل سائر الأنواع الحيوانية ومصيرها، فالصالحون من جنس الإنسان، المحافظون على عبادة الله، يتنعمون فيما أعده الله لهم من النعيم الأبدي في الجنة، وينظرون إلى الله تعالى، ويلتقون به، ويخاطبهم، ويخاطبونه، وكل هذه الفضائل العظمية جدا لا تتحقق إلا لجنس الإنسان، بسبب ما اختص به من العبودية الاختيارية لله تعالى.

ونحن لا ننكر أن بعض جنس الإنسان سينتهي به الأمر إلى الخلود في النار، ولكن المصلحة والمنفعة الحاصلة للصالحين بسبب طاعتهم وعبوديتهم أعظم وأجل وأرقى، وأما المخلدون في النار فلم يُظلموا، وإنما تحقق فيهم العدل.

وبهذا الوجه، يظهر الخلل في الاعتراض الذي نقله الرازي عن بعض الناقدين للأديان في القديم؛ لأن التكليف فيه نفع كبير للجنس الإنساني، وبه يتميز هذا الجنس الشريف عن غيره من الأجناس الحيوانية، فالأمر في التكليف ليس متعلقا بتحصيل منفعة جزئية مباشرة فقط، وإنما هو متعلق بطريقة تحقيق العدل الإلهي في التمايز بين الأجناس، وهذه المصلحة كبيرة القدر لا يضرها ما قد يتعلق بها من بعض المفاسد.

النوع الثاني: ظهور لوازم ربوبية الله في الكون، وجبروته وملكوته له، وتحقق آثار كمالاته المتعددة، وقد سبق الحديث عن هذه الآثار عند الحديث عن الحكمة من خلق الكافر، وذكرنا هناك أن من حكم ذلك: إظهار قدرة الله على خلق المتضادات، والتكليف بالعبادات يظهر التضاد فيما بين البشر، فيكون بعضهم مؤمنا وبعضهم كافرا جاحدا، وبعضهم صالحا وبعضهم فاسدا مفسدا.

ومنها: ظهور آثار أسماء الله القهرية، فمن أسمائه تعالى وصفاته القهار والمنتقم وشديد العقاب وذي البطش الشديد والخافض والمذل، ونحوها، فهذه الأسماء كلها كمالات في حق الله، فلا بد من ظهور آثارها في الوجود، ولو كان الخلق كلهم على طبيعة واحدة من الصلاح والخير لم تظهر تلك الآثار.

ومنها: ظهور آثار أسمائه المتضمنة لمعاني الرحمة والعفو والجود والصفح والكرم والمغفرة، وهذه الأسماء كلها كمال في حق الله تعالى ، فلا بد من ظهور آثارها في الوجود، وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذا المعنى في قوله:” والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون، فيستغفرون الله فيغفر لهم”، ومعنى هذا الحديث: أن وقوع الإنسان في المعاصي ليس منافيا للحكمة الإلهية البالغة؛ لأن وقوعه ذلك يؤدي إلى ظهور نوع من آثار كمالات الله المتعددة.

فهذه الحكم وغيرها تدل دلالة قطعية عل أنه لا تلازم بين خلق الله للناس وأمرهم بالعبادة وبين احتياجه سبحانه إليهم.
فإن قيل: بل تلك الحِكم تدل على أن الله محتاج إلى الخلق في إظهار كمالاته، فلو وجود الخلق لما ظهرت تلك الآثار.

قيل: ذلك غير صحيح؛ لأننا لا نقول إن كمال الله ناقص حتى تتحقق آثاره في الوجود، فلو لم تتحقق كان باقيا على النقص، وإنما نقول: إن تحقق تلك الآثار لازم ضروري لكماله سبحانه ولربوبيته، فتحقق آثار أسمائه نتيجة لكماله تعالى وليس سببا لها، فهناك فرق كبير بين أن قول إن وجود المخلوقات سبب في كمال الله وبين أن قول إن وجودها نتيجة لكمال الله.

الأمر الخامس: أما ما نقله الرازي عن بعض الناقدين للأديان، فإنه فضلا عما في الكلام السابق من الإشارة إلى مواطن الخلل فيه، فهو مبني على مغالطة منطقية ظاهرة، وهي أن التكليف إنما جاء لتحصيل المصلحة الخاصة بالإنسان فقط، وهذا غير صحيح؛ فقد ظهر من الكلام أن التكليف جزء جوهري من نظام الكون جملة، تتعلق به آثار في طبيعة المفاضلة بين الأجناس وطبيعة علاقة الإنسان بالكون والأنواع الحيوانية الأخرى وطبيعة علاقة الإنسان بالله وبكماله وربوبيته للكون.

وهو مبني أيضا على أنه يمكن لجنس الإنسان أن ينفصل عن التعبد لله والخضوع له وأنه يمكن له ألا يكون عابدا لله في حياته، وكل ذلك منافٍ لطبيعة الإنسان وكونه مخلوقا ضعيفا مربوبا لله تعالى.

صفحتي على الفيس بوك صفحتنا على الفيس بوك قناة الموقع على التلجرام لخدمة المسنجر لمراسلتي على الواتساب

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

العربية للاستشارات المالية ||| شركة عزل خزانات ||| السفارات والقنصليات ||| يلا شوت ||| كورة جول ||| kora live ||| koora live ||| bein live ||| كورة لايف ||| كورة جول ||| كورة اون لاين ||| كورة جول ||| تركيب مظلات سيارات في الرياض ||| صيانة افران بالرياض ||| يلا شوت ||| يلا لايف ||| تابع لايف الأسطورة ||| الاسطوره لبث المباريات ||| كورة جول ||| EgyBest ||| يلا شوت ||| كوبونات وقسائم تخفيض ||| عروض طبية في جدة ||| فكرة
إغلاق