القرآن الكريم

لماذا نقرأ القرآن ونحن لا نفهمه؟

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

للاسف الشديد هذا السؤال طرق باب الكثير من الاخوة، وهو مَحضُ شُبهةٍ يُثيرها الشيطان في نفوس إخواننا ليصدهم عن كتاب الله وعن السبيل، فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ [المائدة : 91]

 

فإن كان القرآن الكريم فيه ألفاظ غريبة لا نفهمها وهناك عدد كبير من كتب التفسير، لماذا نقرأه طالما لن نفهمه؟

ولتوضيح عَوَر هذا الإستشكال لا بد من مقدمات أساسية:

أولاً: مَن قال أنني إن كنت لا أفهم القرآن فإنه لا جدوى من قراءته؟؟؟ بل، من قال إنني إن قرأت القرآن لن أفهمه ؟؟؟

الكثير ممن يقول هذا الكلام هو أصلاً لَم يجرب أن يقرأ القرآن الكريم قراءة تدبر.

ولتعلم أخي الكريم أن الله سبحانه وتعالى لم ينزل هذا القرآن لِيُعَذِّبَنَا بِهِ ويكلِّفنا ما لا نطيق، قال تعالى: مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لِتَشْقَى [طه:2]

بل أنزله هدًى ورحمَة ينتفع به العامي والعالم واللغوي والباحث عن الحق وليس لفئة معينة ومحددة من الناس.

فالله سبحانه وتعالى يريد منا جميعًا ان نؤمن به سبحانه وتعالى الذي خلقنا لعبادته جل في علاه، ووسيلتنا للإيمان به إنما هي القرآن الكريم وكلام سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم.

فكيف ينزل إلينا كتاباً لا نَفهمه ثم يٌطالبنا بالايمان به؟

لذلك نقول أن الله عز وجل أنزل هذا القرآن لينتفع فيه الناس جميعاً، وهو على ثلاثة أوجه:

الوجه الأول: إشتمال آيات الذكر الحكيم على الآيات المُحكمات الواضحات التي تتكلم عن توحيد الله عز وجل والإيمان برسوله الكريم صلى الله عليه وسلم ووجوب اتباعه وكذا الإيمان بأركان الإيمان السِت والولاء لله ولرسوله والبراءة من الشرك وأهله، وهذه الآيات لا تحتاج إلى توضيح فتفسيرها قراءتها كقوله تعالى: إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي [طه:14] ، وقال تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56] وغيرها من الآيات الكريمات.

وبهذا القدر من الآيات يجعل المسلم على عقيدة صحيحة مُجمَلَة تُنجيه من سَقَر وتستقر به في مقعد صِدقٍ عند مَليكٍ مُقتَدِر بإذنه سبحانه.

وهناك أيضًا قصص السابقين لنا من الأمم السابقة ممن فر بدينه وإيمانه من الكُفر وزبانيته كقصة أصحاب الكهف وقصص ثبات المؤمنين على التوحيد كقصة أصحاب الأخدود، ومن حارب أنبياء الله فقسمه الله كفرعون والنمرود وغيرهم، وذكر عاقبة المؤمنين في الدنيا والآخرة وما أعده لهم من جنات النعيم، جنات الخلود، جنات السعادة الأبدية جعلنا الله وإياكم من أهلها، قل آمين ^__^

وأيضا ذكر مآل المكذبين المتكبرين المتجبرين على الله وخلقه الذين يَعثون في الأرض فسادًا، وما أعد لهم من ألوان العذاب؛ والغريب أن صاحب هذا السؤال هو الذي يقرأ الروايات تلو الروايات!

ولا يخفى على كل ذي لب ما لهذه الأخبار من الفوائد المتنوعة من تثبيت الأقدام بالصبر وتهدئة النفوس بأن العاقبة للمتقين، قال تعالى: كَذَٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ ۖ [الفرقان: 32]

والوجه الثاني: هو آيات يخفى على العامي فهم ألفاظها لعدم إلمامه باللغة العربية التي نزل القرآن بها، فهذه الآيات وغيرها كما سيمر معنا فإن الله وضع الأصل الذي يجب أن نتبعه لكي نفهمها، قال تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ [النحل:43]

كالقصة التي حدثت لمعاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه عندما دخل عليه ابن عباس رضي الله عنهما فقال[1]: لقد ضربتني أمواج القرآن البارحة، فغرقت فيها، فلم أجد لنفسي خلاصاً إلا بك، قال: وما هي يا معاوية؟ فقرأ هذه الآية: وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ [الأنبياء:87] ، وقال: أوظن نبي الله ألَا يقدر الله عليه؟ فقال ابن عباس رضي الله عنهما: هذا من القَدر وليس من القدرة.

أي من التضييق الأحوال لا من القدرة والقوةـ فهذه الآيات وأمثالها يجب الرجوع إلى العلماء لنفهم ألفاظها ومعانيها.

والوجه الثالث: الآيات المتشابهات التي تُشكل على العامي الذي أراد تدبر القرآن الكريم فهذه كسابقتها علينا الرجوع إلى العلماء لنفهم مراد الله منها ، كقوله تعالى: إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ [القصص:56] ، وقوله: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [الشورى:52ٍ]

ففي الآية الأولى نفى الهداية عن نبيه صلى الله عليه وسلم وفي الثانية يضرب بألوان من التأكيد على أن رسوله يهدي إلى صراط مستقيم.

فهذا نوع من أنواع موهم التعارض في ذهن التالي للقرآن الكريم والجواب عليه يكون في أن الله سبحانه وتعالى لا يقذف الإيمان في قلب أحد إلا لمن شاء سبحانه لتفرده بعلم من أراد الهداية وسعى لها سعيها، بينما رسوله الكريم فإنه يرشدهم ويشرح ويبين لهم الطريق الموصل لهداية الله سبحانه وتعالى، فالأولى هداية التوفيق والثانية هداية الدلالة.

وهذا النوع من الآيات أفرد له العلماء مبحثًا في أصول التفسير أسموه: تفسير القرآن بالقرآن، ومن أجمع الكتب في ذلك كتاب أضواب البيان في إيضاح القرآن بالقرآن للعلامة الشنقيطي[!] رحمه الله تعالى

فهذه الآيات ومثيلاتها مما يُشكل على آحاد الناس فهمها لأنها بحاجة إلى إلمام بمقاصد الشريعة وإلمام بالسنة النبوية الشريفة وإلمام بالقرآن الكريم فهماً وتدبرًا، وهذا النوع – اتباع المتشابهات – من الأنواع الذي حذر النبي صلى الله عليه وسلم أمته منه ومن أهله وبين الله سبحانه وتعالى سبب ذلك فقال: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ [آل عمران:7]

وقالت عائشة الصديقة بنت الصديق رضي الله عنها [2]: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم

وللأسف في هذا العصر أصبح الشغل الشغل عند بعضهم ضرب آيات القرآن بعضها ببعض وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم بعضها ببعض وبعضها بالقرآن الكريم حتى أصبح عندما إسلام بلا صلاة ولا زكاة ولا حج ولا أمر بالمعروف ولا نهي عن المنكر ولا جهاد في سبيل الله، بل وإن النصارى واليهود والذين لا دين لهم من الصايئة في الجنة وإن لم يؤمنوا بالنبي الخاتم صلوات ربي وسلامه عليه!

هذا حالهم مع القرآن الذي قال الله تعالى فيه: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآَنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا [الإسراء:82]، والأدهى من ذلك أصحاب هذه الأفكار يسمون أنفسهم “قرآنيين”!!!

مع العلم أنني لم أجد في تاريخ الأمة فرقة انتسبت لما تُنكر إلا “القدرية” فهم نفاة القدر! و “القرآنيين” مُنكري السُنَّة، فهم المعطلون لشرع الله! وهم الذين يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض.

فهذا القرآن أنزله الله تعالى شفاء للناس وهدًى ورحمة للمؤمنين فهو يصفي القلوب من أمراض الشرك والهوى المُتبع والحقد والحسد والكراهية – وإليك هذه القصة الجميلة [ الجد والحفيد ] ففيها العبرة! – ، وكذلك فإنه شفاء للأبدان من الأمراض، فقد ثبت في السنة عن أبي سعيد الخُدري رضي الله عنه قال [3]: نزلْنا منزلًا . فأتتْنا امرأةٌ فقالت : إنَّ سيِّدَ الحيِّ سَلَيمٌ ، لُدغَ . فهل فيكم من رَاقٍ ؟ فقام معها رجلٌ منا . ما كنا نظنه يُحسنُ رُقيةً . فرقاه بفاتحةِ الكتابِ فبرأ . فأعطوه غنمًا ، وسقونا لبنًا . فقلنا : أكنتَ تُحسِنُ رُقيةً ؟ فقال : ما رقَيتُه إلا بفاتحةِ الكتاب ِ. قال فقلتُ : لا تُحرِّكوها حتى نأتي النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ . فأتينا النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فذكرنا له ذلك . فقال ” ما كان يُدريه أنها رُقيةٌ ؟ اقسِموا واضربوا لي بسهمٍ معكم ” .

ومن ناحية أخرى فإن للقرآن الكريم لوناً آخر من العمل، ففي قراءته يرتفع رصيد حسناتك إذ أنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أن للمسلم من الأخر على كُل حَرف يقرؤوه عشر حسنات، تخيل عشر حسنات بحرف واحد!!!

قال النبي صلى الله عليه وسلم [4]: مَنْ قرأَ حرفًا من كتابِ اللهِ ؛ فَلهُ بهِ حسنةُ، والحسنةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِها، لا أَقُولُ: الم حرفٌ، ولكنْ أَلِفٌ حرفٌ، ولامٌ حرفٌ، ومِيمٌ حرفٌ.

وكذلك فإن للقرآن الكريم الكثير من الفضائل ، ولبيان طرفاً منها إقرأ هذا لموضوع [ عشرون فضيلة لحامل القرآن ]

ومن جهة أُخرى فيظهر عور هذا السؤال من خلال فِعل سائله!

فإنه وبعد أن يسأل هذا السؤال تراه يَعزف عن تعلم القرآن الكريم تفسيرًا وتدبرًا بحجة عدم فَهمه!

فهل كلَّف أحدنا نفسه بشراء كُتيِّبا يشرح بعض الألفاظ الغامضة؟

=========

1 د. محمد أنور النور الحديدي: عصمة الأنبياء والرد على الشُبه الموجهة إليهم ، مطبعة الأمانة – القاهرة – طبعة سنة 1399 هـ / 1979 م ، صـ 407 – 408 .

! هو العلامة محمد الأمين بن محمد المختار الجكني الشنقيطي المتوفى سنة 1393 هـ / 1974 م ، وهو غير العلامة المعاصر محمد مختار الشنقيطي.

2 عائشة أُم المؤمنين: صحيح البخاري (4547) صحيح مسلم ( 2665)

3 أبوسعيد الخدري رضي الله عنه: صحيح مسلم (2201) صحيح البخاري (2276) (5007) (5736) (5749)

4 عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: السلسلة الصحيحة ( 3327) صحيح الترمذي (2910) تخريج مشكاة المصابيح (2079) قال العلامة الألباني: صحيح.

اضغط للاشتراك في تطبيقنا على الفيس بوك لتصلك أجدد مواضييعنا برسالة خاصة

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

العربية للاستشارات المالية ||| شركة عزل خزانات ||| السفارات والقنصليات ||| يلا شوت ||| كورة جول ||| kora live ||| koora live ||| bein live ||| كورة لايف ||| كورة جول ||| كورة اون لاين ||| كورة جول ||| تركيب مظلات سيارات في الرياض ||| صيانة افران بالرياض ||| يلا شوت ||| يلا لايف ||| تابع لايف الأسطورة ||| الاسطوره لبث المباريات ||| كورة جول ||| EgyBest ||| يلا شوت ||| كوبونات وقسائم تخفيض ||| عروض طبية في جدة ||| فكرة
إغلاق